الغزالي
114
إحياء علوم الدين
وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم ، وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم . ويدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهلاء . فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك ، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك . فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم * ( فَخَلَفَ من بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ ) * « 1 » الآية ، وأنك تعامل من لا يجهل ، ويحفظ عليك من لا يغفل ، فدا ودينك فقد دخله سقم ، وهيء زادك فقد حضر سفر بعيد * ( وما يَخْفى عَلَى الله من شَيْءٍ في الأَرْضِ ولا في السَّماءِ ) * « 2 » والسلام فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد . ولكن نفصل ذلك تفصيلا فقهيا ، نميز فيه المحظور عن المكروه والمباح ، فنقول الداخل على السلطان متعرض لأن يعصى الله تعالى ، إما بفعله أو بسكوته ، وإما بقوله وإما باعتقاده . فلا ينفك عن أحد هذه الأمور أما الفعل فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دور مغصوبة ، وتخطيها والدخول فيها بغير إذن الملاك حرام . ولا يغرنك قول القائل ، إن ذلك مما يتسامح به الناس كتمرة أو فتات خبز ، فإن ذلك صحيح في غير المغصوب . أما المغصوب فلا ، لأنه إن قيل إن كل جلسة خفيفة لا تنقص الملك فهي في محل التسامح ، وكذلك الاجتياز ، فيجري هذا في كل واحد ، فيجري أيضا في المجموع ، والغصب إنما تم بفعل الجميع . وإنما يتسامح به إذا انفرد . إذ لو علم المالك به ربما لم يكرهه . فأما إذا كان ذلك طريقا إلى الاستغراق بالاشتراك ، فحكم التحريم ينسحب على الكل . فلا يجوز أن يؤخذ ملك الرجل طريقا ، اعتمادا على أن كل واحد من المارين إنما يخطو خطوة لا تنقص الملك ، لأن المجموع مفوت للملك . وهو كضربة خفيفة في التعليم تباح ، ولكن بشرط الانفراد ، فلو اجتمع جماعة بضربات توجب القتل ، وجب القصاص على الجميع . مع أن كل واحدة من الضربات لو انفردت لكانت لا توجب قصاصا . فإن فرض كون الظالم في موضع غير مغصوب كالموات مثلا ، فإن كان تحت خيمة أو مظلة من ماله فهو حرام . والدخول إليه غير جائز . لأنه انتفاع بالحرام واستظلال به . فإن فرض كل ذلك حلالا ، فلا يعصى بالدخول من حيث إنه دخول
--> « 1 » مريم : 59 « 2 » إبراهيم : 38